صديق الحسيني القنوجي البخاري

379

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقيل إن النفس تعلم عند البعث بما قدمت وأخرت علما إجماليا لأن المطيع يرى آثار السعادة ، والعاصي يرى آثار الشقاوة ، وأما العلم التفصيلي فإنما يحصل عند نشر الصحف . عن ابن مسعود قال : ما قدمت من خير وما أخرت من سنة صالحة يعمل بها بعده فإن له مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا أو سنة سيئة يعمل بها بعده فإن عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئا ، وعن ابن عباس نحوه . وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم من استن خيرا فاستن به فله أجره ومثل أجور من اتبعه من غير منتقص من أجورهم ، ومن استن شرا فاستن به فعليه وزره ومثل أوزاره من اتبعه من غير منتقص من أوزارهم « 1 » وتلا حذيفة عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ . ولما أخبر سبحانه في الآية الأولى عن وقوع الحشر والنشر ذكر في هذه الآية ما يدل عقلا على وقوعه فقال : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ هذا خطاب للكفار وقال بعضهم المراد بالإنسان ما يشمل الكافر والمؤمن العاصي ، قال الشهاب وهذا أرجح كما في الكشف وغيره . والمعنى ما الذي غرك وخدعك أو جعلك غارا حتى كفرت بربك الكريم الذي تفضل عليك في الدنيا بإكمال خلقك وحواسك وجعلك عاقلا فاهما ورزقك وأنعم عليك بنعمه التي لا تقدر على جحد شيء منها ، قال قتادة غره شيطانه المسلط عليه ، وقال الحسن غره شيطانه الخبيث وقيل غره حمقه وجهله . وقيل غره عفو اللّه إذ لم يعاجله بالعقوبة أول مرة كذا قال مقاتل ، وذكر الكريم للمبالغة في المنع من الاغترار ، فإن محض الكرم لا يقتضي إهمال الظالم وتسوية الموالي والمعادي والمطيع والعاصي ، فكيف إذا انضم إليه صفة القهر والانتقام والأشعار بما به يغره الشيطان فإنه يقول له افعل ما شئت فربك كريم لا يعذب أحدا ولا يعاجل بالعقوبة ، والدلالة على أن كثرة كرمه تستدعي الجد في طاعته لا الانهماك في عصيانه اغترارا بكرمه ، وعن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية وقال : غره واللّه جهله . الَّذِي خَلَقَكَ من نطفة ولم تك شيئا فَسَوَّاكَ رجلا تسمع وتبصر وتعقل فَعَدَلَكَ أي فجعلك معتدلا قال عطاء جعلك قائما معتدلا حسن الصورة وقال

--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 516 .